كلمات كانَ الزمانُ بلقياكم يمنينا،
كانَ الزمانُ بلقياكم يمنينا، ... وحادِثُ الدّهرِ بالتّفريقِ يَثنينا
فعندما صدقتْ فيكم أمانينا، ... أضحَى التّنائي بَديلاً مِن تَدانينا
خِلنا الزّمانَ بلُقياكم يُسامِحُنا ... لكيْ تزانَ بذكراكم مدائحُنا
فعندما سمحتْ فيكم قرائحُنا ... بِنتُم وبِنّا فَما ابتَلّتْ جَوانحُنا
لم يُرضِنا أن دَعا بالبَينِ طائرُنا، ... شَقُّ الجُيوبِ، وما شُقّتْ مرائرُنا
يا غائبينَ ومأواهم سرائرُنا، ... تَكادُ حينَ تُناجيكُم ضَمائرُنا
حمدتُ أيّام أُنسٍ لي بكم سَعِدتْ، ... وأسعَدتْ إذ وَفتْ فيكم بما وَعدتْ
فاليومَ إذ غِبتمُ، والدّارُ قد بعُدتْ، ... حالتْ لفقدكمُ أيامُنا فغدتْ
فزنا بنيلِ الأماني من تشرفِنا، ... بقربكم، إذا برينا من تكلفنا
حتى كأنّ اللّيالي في تصَرفنا، ... إذا جانبُ العيشِ طلقٌ من تألفِنا
كم قد وردنا مياهُ العزّ صافية ً، ... وكم عَللَنا بها الأرواحَ ثانيَة ً
إذْ عينُها لم تكن بالمنّ آنية ً، ... وإذ هصرنا غصونَ الأنسِ دانية ً
يا سادة ً كانَ مغناهم لنا حرما، ... وكانَ رَبعُ حَماة ٍ للنّزيلِ حِمَى
كم قد سَقيتم مياهَ الجودِ ربّ ظمَا ... ليسقِ عهدكمُ عهدُ الغمامِ فما
هل يعلمُ المسكرونا من سماحهمُ ... برشفِ راحِ النّدى من كأسِ راحهمْ
أنا لبِسنا الضّنا بعدَ التماحهمُ، ... من مبلغُ الملبسينا بانتزاحهمُ
إذا ذكرنا زَمانا كان يُدرِكُنا، ... بالقُربِ منكم، وفي اللّذاتِ يُشرِكُنا
لا نَملِكُ الدّمعَ والأحزانُ تملكُنا؛ ... إنّ الزمانَ الذي قد كان يضحكُنا
نعى المؤيد قومٌ لودروا ووعوا، ... أيَّ الملوكِ إلى أيّ الكِرام نعَوا
أظنّهُ، إذ سقانا الودَّ حينَ سعَوا، ... غِيظَ العِدى من تَساقينا الهوى فدعَوا
لمّا رأوا ما قَضينا من مَجالِسِنا، ... وسِبطَ أنسٍ رأينا من مَجالِسِنا
دعوا لنفجعَ في الدّنيا بأنفسِنا، ... فانحلّ ما كانَ معقوداً بأنفسِنا
أينَ الذينَ عَهِدْنا الجودَ يُوثِقُنا ... في رَبعِهم، ولهم بالشّكرِ يُنطِقُنا
وكان فيهم بهم منهم تأنقنا، ... وقد نكونُ وما يُخشَى تَفَرّقُنا
يا غائبين، ولا تخلو خواطرنا ... من شَخصِهم وإن اشتاقتْ نواظرُنا
واللَّهِ لا يَنقَضي فيكم تَفكّرُنا، ... لا تحسبوا نأيكم عنّا يغيرُنا
إنّا، وإن زادَنا تَفريقُنا غُلَلاً، ... إلى اللّقا، وكسانا بعدكم عِلَلاً
لم نَدعُ غَيرَكمُ سُؤلاً، ولا أملاً، ... واللهِ ما طلبتْ أرواحُنا بدلاً
إذا ذكرتُ حِمَى العاصي ومَلعَبِهِ، ... والقَصرَ والقُبّة َ العُليا بمَرقَبِهِ
أقولُ، والبرقُ سارٍ في تلهبهِ: ... يا ساريَ البرق غادي القصرَ فاسقِ بهِ
يا غاديَ المزنِ إن وافيتَ حلتَنا ... على حَماة َ، فجُد فيها محَلّتَنا
واقرَ السلامَ بها عنّا احبتنا، ... ويا نسيمض الصَّبا بلغْ تحيتنا
سلطانُ عصرٍ إلهُ العرشِ بوأهُ ... من المعالي، وللخيراتِ هيأهُ
براهُ زيناً، وممّا شانَ برأهُ، ... ربيبُ مُلكٍ كأنّ اللَّهَ أنشَأهُ
نحنُ الفداءُ لمن أبقَى لنا خلفاً، ... من ذكرهِ، وإن ازددنا به أسفاً
وإن نكن دونَ أن يُفدى بنا أنفاً، ... ما ضرّ إن لم نكن أكفاءهُ شرفاً
يا مَن يَرى مَغنَمَ الأموالِ مَغرَمة ً ... إن لم يُفِدْ طالبي جَدواهُ مَكرُمة ً
إنّا، وإن حُزتَ ألقاباً مكَرَّمة ً، ... لَسنا نُسَمّيكَ إجلالاً وتَكرِمة ً
كم قد وصفتَ بأوصافٍ مشرفة ٍ، ... في خطّ ذي قلمٍ أو نطقِ ذي شفة ٍ
فقَد عَرفناكَ منها أيَّ مَعرِفَة ٍ، ... إذا انفَرَدتَ وما شُورِكتَ في صِفة ٍ
خلّفتَ بعدَكَ للدّنيا وآمِلِها ... نجلاً يسرّ البرايا في تأملِها
فلم تقل عنك نفسٌ في تململها: ... يا جنة َ الخلدِ أبدلنا بسلسلِها
كم خلوة ٍ هزنا للبحثِ باعثُنا، ... فليسَ يؤنسنا إلاذ مباحثنا
فاليَومَ أُخرِسَ بالتّفريقِ نافثُنا، ... كأنّنا لم نبتْ، والوصلُ ثالثُنا
ولَيلَة ٍ قد حَلا فيها تَنادُمُنا، ... والعزُّ يكنفنا، والسعدُ يقدمنا
ونحنُ في خَلوَة ٍ، والدّهرُ يَخدُمُنا، ... سرينِ في خاطرِ الظلماءِ يكتمنا
للَّهِ كم قد قضَينا منكمُ وطراً، ... قد كان عيناً فأمسَى بعدكم خبرا
لا تَعجَبوا إن جعلنا ذكرَكم سمراً، ... إنّا قَرأنا الأسَى يومَ النّوى سُوَراً
كم من حَبيبٍ عَدَلنا مع تَرحّلِهِ، ... إلى سِواهُ، فأغنى عن تأمّلِه
وصعبِ وردٍ عدلناهُ بأسهلِهِ، ... أما هواكَ، فلم يعدَل بمنهلِهِ
تشكو إلى اللهِ نفسٌ بعَ ما لقيتْ ... غبّ النعيمِ الذي من بعدِه شقيتْ
فَيا سَحاباً بهِ كلُّ الوَرى سُقِيتْ: ... عليكَ منّى سَلامُ اللَّهِ ما بقيَتْ