كلمات قالت الضحيّة
كيف كنتم أيّام كنت مثيره ؟ ... حشرات حولي و كنت أميرة
كنت أمشي فتفرشون طريقي ... نظرات مستجديات كسيرة
و شجونا حمرا و شوقا رخيصا ... و نداء و ثرثرات كثيره
تتناجون بينكم : أتراها ... بنت " كسرى " أم " شهرزاد " الصغيرة ؟
لو رأى " شهريار " طيف صباها ... باع فيها سلطانه و سريره
و تحرمون تزرعون رمال الجوع ... نجوى و أمنيات و فيره
ليتها لي أو ليت أنّي طريق ... لخطاها تمدّ فيه المسيره
ليتني مشطها فأشتمّ منها ... شعرها أو أكون فيه ضفيره
ليتني ثوبها ؛ و يهمس ثان ... يدّعي أنّه مناها … الكبيرة
آخر العهد بيننا سمر الأمس ... شكوت الهوى و بثّت سعيره
لا تقولوا : سامرت وهما فما زال ... على ساعديّ دفء السميره
فليلبّيه ثالث : ليت أنّي ... نقطة فوق خدّها مستديره
و يجاريه رابع : فيغنّي ... ليتني البحر و هي فيّ ... جزيرة
و يعيد المنى أديب شجيّ ... ليتها جدول أناغي ... خريره
عكذا كنتم أمامي و خلفي ... غزلا مغريا و كنت ... غريره
و لأنّي و أمّي عجوز ... مات عنها أبي ، سقطت أجيره
كيف أروي حكايتي ؟ و إلى من ؟ ... كيف تشكو إلى العقور العقيره
نشأت قصّتي و كان أبي كهلا ؟ ... وقور السمات نذل السريره
بشتري كلّ حظّه من عجوز ... بالأساطير و الغيوب خبيره
كان زور المديح يحلب كفّيه ... و يعطيه وسوسات خطيره
فيرى أنّ قومة أهملوه ... فأضاعوا لاأنقى و أغلا ذخيره
فتمنّى قتل الألوف و لكن ... مغيه صعبه القياد عسيره
فالتوى يذبح الصغار من الأطفال ... أو يخطف الصبايا النظيره
و يرابي بالبائسات وراء الحيّ ... و الهينمات تخفي ... نكيره
واحتمى بالصلاة لم يدن منه ... بصر الحيذ أو ظنون البصيرة
فانثنى ليله كما يخبط المخمور ... في الوحل ، و السماء مطيره
قلقا تجرح الفراغ خطاه ... و هو يصغي إلى خطاه الحسيره
و صفير السكون ينفخ أذنيه ... فيرتاب ، يستعيد صفيره
وتمادى تنهّد الجوّ حوليه ... ووالى شهيقه ... و زفيره
ورمى خلفه و بين يديه ... عاصفا أدمت البروق هديره
و على المنحنى حفيرة صخر ... جاءها فانطوت عليه الحفيره
و هناك انتهى أو انقضّت الجنّ ... عليه كما تقول : العشيره
زعموه كأن يصيح من الصخر ... و يرجو أصداءه أن تجيره
لست أدري كيف انتهى ؟ مات يو ... ما ورمى عبئه علينا ... و نيره
فتبنّى الصياع طفلا كسيحا ... و أنا ، و الأسى و أمّا فقيره
فسهرنا نشقى و نسترجع الأمس ... و نبكي أبي و نرويه سيره
كان يشري الحظوظ من أمّ يحيى ... كلّ يوم كانت له كالمشيره
كان يمتدّ ها هنا كلّ ليل ... و هنا يرتمي ... قبيل الظهيره
كنت في محنتي كزنبقة الرمل ... أعاني جفافه ... و هجيره
فأشرتم إليّ بالمغريات الخضر ... و البيض ، و الوعود الغزيرة
و ملأتم يدي و أشعلتموني ... شمهة في دجى الخطايا الضريره
و على رغم عفّتي ؛ رغم أمّي ... و أبي عدت مومسا سكّيره
و لهونا حينا و أشتى ربيعي ... فتعرّيت أرتدي ومهريره
وانصرفتم عنّي أما كنت يوما ... عندكم منية الحياة الأثيره ؟
وزعمتم بأنّني كنت وحلا ... آدميّا أما شريتم عصيره ؟
و أشعتم في الحيّ أنّي شرّ ... يتفادى دنوّه ... و نذيره
فتوقّى حتّى خيال وجودي ... و هو حيّ على الحياة جزيرة
كيف أبقى هنا و أنصاف ناس ... جيرتي ، ليس لي رفاق و جيره
و غدي رهبة و يومي انتحار ... واحتقار ؛ و الأمس ذكرى مريره
و هنا حيّنا خطاه إلى الأمس ... و أمجاده عظام نثيره
دفن الأمس جثّة من دنايا ... وانثنى يستعير منها مصيره
فهو حيّ من الجليد المدمّى ... يجتبي لصّه و يجفو خفيره
يدّعي المجد و هو مقبرة تهتزّ ... خلف التراب و هي قريره
يزدريني وحدي و إنّي و إيّاه ... ضحايا شروره المستطيره
يزدريني و توبتي و حناني ... فوق أهدابه صلاة منيره
هل أنادي الضمير و الخلق فيه ؟ ... لم أجد فيه خلفه أو ضميره
أيّها الآكلون عرضي لأنّي ... كنت ألعوبة لديكم أسيره
حقّروني يا دود لو لم تكونوا ... حقراء ما كنت يوما حقيره
لا تقولوا : كانت بغيّا ، أما الفجّار ... كثر و الفاجرات كثيره ؟
لست وحدي ، كم البغايا و لكن ... تلك مغمورة و هذي شهيره
صدّقوني إن قلت في دوركم مثلي ... قلست الأولى و لست الأخيرة
كلّ حسناء زهرة : هل يردّ الزهـ ... ر عنه حتّى الذباب المغيره ؟