كلمات مآتم و أعراس
كيف كنّا يا ذكريات الجرائم ... مأتما في الضياع يتلو يتلو مآتم
كيف كنّا قوافلا من أنين ... تتعايا هنا كشهقات نادم
و قطيعا من البراءات يهوى ... من يديّ ذابح إلى شدق لاقم
و مضينا يسوقنا سيف جلّاد ... و تجترّنا سكاكين ظالم
ضاع في حطونا الطريق فسرنا ... ألما واجما على إثر واجم
و السكون المديد يبتلع الحلم ... و يسري في وهمنا و هن جاثم
و الدجى حاقد يبيع الشياطين ... فنشري من التبور التمائم
و خطانا دم تجمّد في الأشواك ... جمرا و في الصخور مياسم
ورياح الثلوج تشتمّ مسرانا ... فتشوي وجوهنا بالشتائم
كيف كنّا نقتات جوعا و نعطي ... أرذل المتخمين أشهى المطاعم ؟
و جراحاتنا على باب "مولانا " ... تقيم " الذباب " منها ولائم
و هو في القصر يحتسي الشعب خمرا ... و دما و الكؤوس غضبى لوائم
و يرئي و في حناياه دنيا ... من ضحايا و عالم من مآثم
فنفدّيه و هو يغمد فينا ... صارما مدمنا و يستلّ صارم
و يشيد القصور من جثث الشعب ... المسجّى و من رفات المحارم
و يغطّي بالتاج رأسا خلايباه ... و أفكاره ذئاب حوائم
و تلال من الحراب و كهف ... من ضوار و غابة من أراقم
كف كنّا ندعوه مولى مطاعا ... و هو " للإنجليز " أطوع خادم
هدّنا الضعف فادعى قوّة " افلجنّ " ... و بأس الردى و فتك الضياغم
فتحاماه ضعفنا و اتّخذناه ... إلها من " شعوذات " المزاعم
عملق الدجل شخصه وهو قزم ... تتظنّاه قاعدا و هو قائم
و صبيّ الشذوذ و هو عجوز ... نصفه ميّت … و باقيه .. نائم
و أثيم أيّامه … للدنايا ... و لياليه للبغايا … الهوائم
و يداه يد تجرح شعبا ... ويد تقطف الجراح " دراهم "
و يولّى على الوزارات و الحكم ... رجالا كالعانسات النواقم
و لصوصا كأنّهم قوم " يا جوج " ... صغار النهى كبار العمائم
و طوال الذقون شعثا " كأهل ... الكهف " بل كالكهوف صمّ أعاجم
يحكمون الجموع و العدل يبكي ... و المآسي تدمي سقوف المحاكم
تارة يرقصون فوق الضحايا ... و أوانا بشرّعون المظالم
فيسمّون شرعه الغاب حزما ... إن أصابوا فالذئب أحزم حازم
و يصلّون و المحاريب تستفتي ... متى تصبح الأفاعي … حمائم ؟
و يعودون يلفظون الحكايا ... مثلما تنثر النثيل البهائم
و يميلون يعبرون الرؤى خيرا ... وشرّا من خاطر الغيب ناجم
كلّهم متحف الغباء …. و كلّ ... يدّعي أنّه محيط المعاجم
فيلوكون من " مريض " التواريخ ... حروفا من فهرسات … التراجم
و ينيلون " باقلا " ثغر " قسّ " ... و يعبرون " مادرا " جود " حاتم "
كيف هنّا فقادنا أغبياء ... و لصوص متوّجون أكارم ؟
و صغار مؤنثون و غيد ... غاليات الحلى رخاص المباسم
هكذا كان حاكمونا و كنّا ... فنحرنا فينا خضوع السوائم
و انتظرنا الصباح حتّى أفقنا ... ليلة و هو ضجّة من طلاسم
أترى قامت القيامة أم هبّ ... العفاريت يطحنون القماقم ؟
و أصخنا تفسّر الوهم بالأوهام ... و الظنّ بالظنون الرواجم
ووراء الضجيج إيماء رعد ... يزرع الشهب في يديه خواتم
و الدجى يعلك السكون و يعدو ... مثلما تعلك الخيول الشكائم
و سألنا ماذا ؟ فأومت طيوف ... زاهرات البنان خضر المعاصم
و تحدّى صمت القبور دويّ ... شفقيّ الصدى عنيد الغماغم
و العيان الكبير ميعاد رؤيا ... أنكرت صدقه العيون الحوالم
و إذا فاجأ اليقين على الشك ... حسبت اليقين تهويل واهم
و هنا حرّق الغيوم انفجار ... و الصدى يعزف اللّهيب ملاحم
فتراخى " قصر البشائر " كالشيخ ... و لاذت جدرانه بالدعائم
و احتمى بالقوى فضجّ عليه ... لهب عارم يلبّيه عارم
و حريق يدمي قواه و يمضي ... و حريق جهنّميّ …. يهاجم
فارتمى في اللّظى الأفيال ... حمر الرؤوس جرحى القوائم
و تعالى الدخان و النار فاللّيل ... نهار صحو الأسارير غائم
و تنادى الشروق من كلّ أفق ... ثورة فانبثي الربىلا يا نائم
فإذا مأتم أعراس ... نشاوى مزغردات نواعم
أشرق الثائرون فالموت عرس ... و أنين الحمى لحون بواسم
وارتعاش الخريف دفء ربيعـ ... يّ؛ وصيف داني العناقيد دائم
و الجراح التي على كلّ شبر ... أثمرت فجأة و كانت براعم
من رأى الثائرين زحفا من الخصب ... وزحفا من شامخات العزائم ؟
و صباحا ضافي الشروق مطلا ... و صباحا في شاطيء اللّيل عائم
و شبابا توهجوا فانطفى " نيرون " ... وانهار أغبر الوجه فاحم
و استثاروا دفء الحياة فمات المـ ... وت ؛ و انقضّ عرشه و هو راغم
و أطلّت وجوههم من وراء ... اللّيل ؛ كالصحو من وراء الغمائم
و مشوا تزرع الدروب خطاهم ... موسما طيّبا يجرّ مواسم
و شموسا هواتفا و انتصارا ... حاسما يهتدي على إثر حاسم
و الضحى في الدروب يمرح كالأ ... فراح ؛ في أعين الصبايا النواعم
فتهادت مواكب الشعب ألوانا ... كنسيان مائج الحسن فاغم
و توالت حشوده الكثر تشدو ... فالربى و السهول شاد و باغم
و نسينا في غمره البشر … عهدا ... أسود القلب أحمر السيف قاتم
كلّما عب جيفه مدّ للأخرى ... كؤوسا كحنجرات … الضراغم
كان حكّامه ذبابا عليها ... من صديد الجراح أخزى المعالم
و ذئابا بلها قطيعا ... قسّمونا و استجمعونا غنائم
فانقسمنا برغمنا و سألنا ... أين أين القربى ؟ و أين المراحم ؟
أوما نحن إخوة أمّنا الخضراء ؟ ... فيم اختصامنا ؟ من تخاصم ؟
أنجيتنا هذي البلاد فأنهت ... بدع الفنّ قبل بدء العوالم
و غذتنا تآخينا كان أبقى ... من ربى ريفها ووهج العواصم
فمضوا يطعمونا الحقد حتّى ... جهل المرء قصده و هو عالم
و تمادوا في الهدم حتّى كسرنا ... معول الحقد في يدي كلّ هادم
و دفّنا حكم الشذوذ رفاتا ... واحتشدنا نتوّج الشعب حاكم
و التقينا نمدّ للفجر أفقا ... من دم التوأمين " عاد " و " هاشم "
و مراحا من تضحيات " البلاقيس " ... و مغدى من تضحيات " الفواطم "
فانطلق حيث شئت يا فجر إنّا ... قد فرشنا لك الدروب جماجم
وزحفنا نهدي الهدى ةو مددنا ... من قوانا إلى الأعالي سلالم
و سمونا صفّا مبادئه الحبّ ... و غاياته سماء المكارم
و أضأنا حتّى انثنى سارق الإسلام ... عريان يحتمي بالهزائم
و اشرأبّت أرض النبيّ تدوّي ... من " سعود " ؟ أطغى و أغشم غاشم
و غبيّ سلم لكلّ عدوّ ... و هو حرب على أخيه المسالم
من رآه يرجو " حسينا " و يهذي ؟ ... من يقينا هولا من النار داهم ؟
فيعود الجواب عنه سؤالا ... هل لطاغ من غضبه الشعب عاصم ؟